الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
238
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لغرض أهم من إزالة الإنكار . والمجيء : مستعمل مجازا في الخطاب بالدعوة إلى الدين . شبه توجهه إليهم بالخطاب الذي لم يكونوا يترقبونه بمجيء الوافد إلى الناس من مكان آخر . وهو استعمال شائع في القرآن . والأنفس : جمع نفس ، وهي الذات . ويضاف النفس إلى الضمير فيدل على قبيلة معاد الضمير ، أي هو معدود من ذوي نسبهم وليس عداده فيهم بحلف أو ولاء أو إلصاق . يقال : هو قريشي من أنفسهم ، ويقال : القريشي مولاهم أو حليفهم ، فمعنى مِنْ أَنْفُسِكُمْ من صميم نسبكم ، فتعين أن الخطاب للعرب لأن النازل بينهم القرآن يومئذ لا يعدون العرب ومن حالفهم وتولاهم مثل سلمان الفارسي وبلال الحبشي ، وفيه امتنان على العرب وتنبيه على فضيلتهم ، وفيه أيضا تعريض بتحريضهم على اتباعه وترك مناواته وأن الأجدر بهم الافتخار به والالتفاف حوله كما قال تعالى في ذكر القرآن وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] أي يبقى منه لكم ذكر حسن . والعزيز : الغالب . والعزة : الغلبة . يقال عزّه إذا غلبه . ومنه وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ ص : 23 ] ، فإذا عدي بعلى دل على معنى الثقل والشدة على النفس . قال بشر بن عوانة في ذكر قتله الأسد ومصارعته إياه : فقلت له يعزّ عليّ أني * قتلت مناسبي جلدا وقهرا و ما مصدرية . و عَنِتُّمْ : تعبتم . والعنت : التعب ، أي شاق عليه حزنكم وشقاؤكم . وهذا كقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] وذكر هذا في صفة الرسول عليه السلام يفيد أن هذا خلق له فيكون أثر ظهوره الرفق بالأمة والحذر مما يلقي بهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة . ومن آثار ذلك شفاعته للناس كلهم في الموقف لتعجيل الحساب . ثم إن ذلك يومئ إلى أن شرعه جاء مناسبا لخلقه فانتفى عنه الحرج والعسر قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] وقال : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] . والعدول عن الإتيان بلفظ العنت الذي هو المصدر الصريح إلى الإتيان بالفعل مع ( ما ) المصدرية السابكة للمصدر نكتة . وهي إفادة أنه قد عز عليه عنتهم الحاصل في الزمن الذي مضى ، وذلك بما لقوه من قتل قومهم ، ومن الأسر في الغزوات ، ومن قوارع الوعيد